رغم مرور أكثر من 23 سنة على سقوط نظام صدام حسين، لا تزال عائدات النفط العراقي تدور في فلك البنك الفدرالي الأمريكي في نيويورك، ويُنظر إلى هذا الترتيب في الداخل العراقي بوصفه مزيجاً معقداً من "الحماية" القانونية و"الوصاية" المالية التي تمنح واشنطن نفوذاً واسعاً على القرار الاقتصادي في بغداد.
ورغم انتهاء الجزء الأكبر من الأسس القانونية التي فرضت هذه الآلية في الأصل، إلا أنّ الولايات المتحدة ما زالت تتحكم فعلياً بمسار الدولارات التي تموّل الموازنة العراقية، عبر مزيج من القرارات التنفيذية، وأنظمة الحماية، والرقابة الصارمة على حركة الدولار نحو العراق وخارجه، ومع تهديدات ترامب بقطع "المساعدات" عن العراق، وهو ما يُفهم عملياً على أنّه تهديد بقطع الدولار عنه، تعالوا لنتعرّف على آثار ذلك.
ماذا لو نفّذ ترامب تهديده وقطع أو قلّل الدولار عن العراق؟
-اختناق مالي خلال أسابيع: لأنّ كل شريان في الاقتصاد تقريباً يمر عبر الدولار الخارج من نيويورك، وأي خفض كبير أو قطع في الإمداد سيشلّ قدرة البنك المركزي على تمويل السوق.
-تفاقم ما نعيشه حالياً إلى مستوى أزمة شاملة: اليوم فقط مع تشدد محدود في المعروض وتقلبات بسعر الصرف، الأسواق مرتبكة والأسعار تصعد.
فكيف لو صار الخفض أكبر أو صار القطع قراراً سياسياً معلناً؟
-ضغط مباشر على البنك المركزي والحكومة: سيجد البنك المركزي نفسه أمام احتياطيات شبه مجمّدة عملياً، غير قادر على ضخ كميات كافية للحفاظ على السعر الرسمي أو تغطية الاستيراد، وستُجبَر الحكومة على المفاضلة بين:
ما يعني تآكل سريع للقوة الشرائية للرواتب، وارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية، مع توسّع الاكتناز بالدولار والذهب، وربما عودة أنماط مقايضة في بعض القطاعات.
-شلل واسع في القطاع الخاص والتجارة الخارجية: توقّف فتح الاعتمادات والتحويلات، وتأخّر الشحنات، وخروج شركات ضعيفة من السوق لصالح قلة تملك قنوات خاصة للحصول على العملة الصعبة.
-استحالة الانتقال السريع إلى عملات بديلة: حتى لو فكّر العراق باليوان أو الروبل أو تسويات إقليمية بعملات أخرى، فهذا مشروع يحتاج سنوات لتعديل العقود وسلاسل التوريد، ولا يمكن إنجازه كحل إسعافي تحت الضغط خلال أشهر.
-انفجار اجتماعي وسياسي محتمل: انهيار القدرة الشرائية، وارتفاع البطالة، ونقص السلع، يمكن أن يتحول إلى موجة احتجاجات واضطرابات، تُستغل من قوى داخلية وخارجية لإعادة ترتيب النفوذ داخل البلد.
-تحويل العراق إلى ساحة تصفية حسابات: قطع أو خنق الدولار سيُستخدم كأداة في الصراع الأمريكي – الإيراني، وربما في صراعات أوسع، فيتحول العراق من لاعب يحاول موازنة علاقاته إلى ساحة مفتوحة لتجاذبات الآخرين.
-الأزمة الحالية ليست سوى "بروفة" صغيرة: ما يجري اليوم من ضغوط مع خفض جزئي وتشدد في الضوابط، يكشف هشاشة البنية المالية والنقدية، ويُظهر كيف يمكن أن تبدو صورة "الحصار المالي الكامل" إذا تحوّل التهديد إلى قرار استراتيجي.
والسؤال هو: لماذا يرهن العراق إيرادات نفطه في أمريكا إلى الآن؟
من "صندوق تنمية العراق" إلى حساب البنك المركزي في نيويورك
الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي يقدم قراءة تنتقل من الخلفيات القانونية إلى الواقع المالي اليوم، ثم تطرح مساراً عملياً للخروج من حالة الارتهان، عبر معالجة ملف الدعاوى والتعويضات المتراكمة على العراق منذ التسعينيات، بدلاً من الاكتفاء بالشكوى من "هيمنة" الفدرالي الأمريكي.
بعد غزو العراق عام 2003، أنشأت سلطة الائتلاف المؤقتة "صندوق تنمية العراق" ليكون الوعاء الذي تُودع فيه عائدات صادرات النفط والغاز، مع إلزام دول العالم بإيداع قيم المبيعات فيه، استناداً إلى قرار مجلس الأمن 1483 الذي نصّ على تحويل إيرادات النفط إلى هذا الصندوق واستخدامها لإعادة الإعمار، وحمايتها من إجراءات الحجز والتقاضي في الخارج.
وفي عام 2010 صدر قرار مجلس الأمن 1956 الذي مهّد لإنهاء نظام الصندوق وتحويل إدارة الأموال إلى الحكومة العراقية والبنك المركزي، مع الإبقاء على جزء من الحماية القانونية لفترة محددة.
بالتوازي، أصدر الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش القرار التنفيذي 13303 عام 2003، الذي منح حماية خاصة لصندوق تنمية العراق و"كل الممتلكات التي للعراق مصلحة فيها"، بحيث تُعامل معاملة الأموال الأمريكية من حيث الحصانة من الحجز والأوامر القضائية.
هذا القرار لا يزال ساري المفعول حتى اليوم مع تعديلات، وهو الأساس القانوني الأهم لحماية الأموال العراقية في النظام المالي الأمريكي.
عملياً، تطوّر "صندوق تنمية العراق" إلى حساب باسم البنك المركزي العراقي لدى البنك الفدرالي في نيويورك، تُحوّل إليه


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.