أخبار وتقارير

أرتال عراقية في سوريا لدعم قسد بمواجهة جيش الشرع.. سيناريو داعش 2014 يطل من سيمالكا؟

أرتال عراقية في سوريا لدعم قسد بمواجهة جيش الشرع.. سيناريو داعش 2014 يطل من سيمالكا؟

شارك المقال

في الساعات المتأخرة من الليل، تحديدًا بعد الواحدة صباحًا، أفاد صحفيون سوريون بدخول نحو 30 شاحنة تحمل لوحات تسجيل تعود لمحافظتَي أربيل ودهوك إلى مدينة القامشلي في الشمال الشرقي من سوريا، تحت حماية وحدات خاصة من قوات "الهات" التابعة لتنظيم "قسد"، عبر المدخل الشرقي للمدينة ومن خلال حاجز النعمتلي، وسط حالة استنفار أمني وانتشار مكثّف للحواجز، قبل أن تُزال تلك الحواجز مباشرة بعد عبور الرتل وعودتها إلى وضعها السابق، في مشهد يختلط فيه العسكري بالسياسي، واللوحة المرورية العراقية – الكردستانية بسياق صراع مسلّح يدور على أرض دولة تعترف بها بغداد رسميًا وتتعامل مع حكومتها بوصفها السلطة الشرعية في دمشق.

بحسب المعطيات المتداولة في الأوساط السورية الميدانية، لم تكن هذه الشاحنات مجرّد قافلة تجارية عابرة في سوق حدودي مضطرب، بل جزءًا من مسار دعم عسكري ولوجستي لوحدات "قسد" في قتالها مع القوات الحكومية السورية في الشمال الشرقي، أي أنّ لوحات تسجيل صادرة من داخل العراق وإقليمه الكردي تحضر عمليًّا في مشهد اشتباك مسلّح ضد جيش نظام سياسي يحتفظ بسفارة في بغداد، ويعلن العراق في كل خطاب خارجي أنّه يعترف بوحدة أراضيه وسيادته.
هذه المفارقة لا تتوقف عند حدود "الإحراج الدبلوماسي"، بل تفتح سؤالًا أعمق حول الكيفية التي تُستخدم فيها الجغرافيا العراقية وأدواتها الاقتصادية واللوجستية في صراعات الإقليم، ومن الذي يقرّر فعلًا مآل الحركة عبر الحدود حين تتحوّل الشاحنات من وسيلة تجارة إلى جزء من بنية الحرب.

صورة الرتل العسكري تتكامل مع ما كُشف في العراق خلال الأشهر الماضية عن طبيعة الحركة اليومية في معبر سيمالكا – فيشخابور.
رئيس هيئة المنافذ الحدودية عمر الوائلي أشار، في تصريحات سابقة، إلى أنّ صهاريج نفط تخرج بشكل يومي من مناطق خاضعة لسيطرة قسد باتجاه العراق عبر هذا المعبر، وأنّ جزءًا من هذه الكميات يُكرَّر داخل إقليم كردستان، في ما يشبه خطًّا نفطيًّا ثابتًا يربط بين "الإدارة الذاتية" في الشمال الشرقي السوري والبنية الاقتصادية في الإقليم.
نائب في البرلمان العراقي ذهب أبعد من ذلك حين تحدّث عن مرور ما يقارب مئة شاحنة يوميًّا عبر سيمالكا، تتحرك من حقول النفط الواقعة تحت سلطة قسد إلى مصافي ومحطات داخل الإقليم، بما يعني أنّ العلاقة لم تعد مجرّد تهريب متقطع، بل منظومة إمداد مستمرة ترفد قسد بموارد مالية ثابتة، وتمنح الإقليم منفذًا إضافيًّا للنفط الخام خارج الأطر التقليدية لقطاع النفط العراقي الرسمي.

عندما يُضاف إلى هذا الخط النفطي المنتظم رتل الشاحنات ذات الطابع العسكري الذي دخل القامشلي ليلًا، يتضح أنّ المعبر والطرق المتفرّعة عنه يشكلان اليوم ة مزدوجة الوظيفة: مسارًا للنفط والمال من قسد باتجاه الإقليم، ومسارًا لدعم لوجستي وعسكري من داخل الإقليم باتجاه قسد، في علاقة تبادلية تُدار على أرض عراقية – اتحادية من حيث السيادة العامة، لكنّ مركز قرارها اليومي يتحرّك إلى حدّ كبير داخل دائرة حكومة الإقليم والقوى الفاعلة فيها.

على المستوى السياسي، تتقاطع المؤشرات على أنّ حكومة إقليم كردستان، بدرجات متفاوتة، تقف في موقع الداعم لقسد، وأنّ الاتحاد الوطني الكردستاني يميل إلى علاقة أوثق وأعمق مع القوى الكردية السورية، بحكم امتداداته التاريخية والفكرية وصلاته بحزب العمال الكردستاني، مقابل موقف أكثر توازنًا وحسابًا للخطوط الحمراء التركية لدى الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يدير السلطة التنفيذية الأولى في أربيل.
هذا التوزّع الداخلي يعني أنّ ما يجري عبر معبر سيمالكا، وما يتحرك ليلًا إلى القامشلي، ليس نشاطًا اقتصاديًّا منفصلًا عن السياسة، بل انعكاس لاختيارات تتصل بالهوية الكردية العابرة للحدود، وبالنقاش حول من يمثّل "العنوان الكردي" الأوسع في الإقليم السوري – العراقي – التركي المتداخل.

من زاوية بغداد، يزيد هذا التعقيد من صعوبة بناء سياسة موحدة تجاه الملف السوري؛ فحين تتصرّف حكومة الإقليم، أو كتلة سياسية رئيسية فيه، بما يشبه سياسة خارجية خاصة تشتبك مع خرائط القوى في سوريا، يصبح على الحكومة الإتحادية أن تجيب عن سؤال صريح: هل يُسمح لوحدة اتحادية بأن تتحرك في صراع دولة مجاورة بهذا العمق، نفطًا وتسليحًا وإسنادًا، في الوقت الذي يعلن فيه الدستور أنّ رسم السياسة الخارجية والأمنية الإستراتيجية اختصاص اتحادي حصري؟ أم أنّ ضعف أدوات المركز، ورغبة القوى النافذة في تجنّب الصدام مع الإقليم، تركت مساحة واسعة لما يمكن وصفه بـ"الدبلوماسية الموازية" التي تنطلق من أربيل والسليمانية نحو القامشلي وعين العرب والحسكة من دون غطاء واضح من بغداد؟

العراق، على مستوى الخطاب الرسمي، يكرّر في المحافل الدولية أنّه يدعم وحدة الأراضي السورية ويعترف بالحكومة القائمة في دمشق، ويطالب بعدم تحويل سوريا إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية.
لكنّ الوقائع التي تتكشف على الحدود الشمالية، من مرور صهاريج نفط لقسد نحو الإقليم إلى تحرّك رتل عسكري بأرقام أربيل ودهوك لدعم قسد في مواجهة الجيش السوري، ترسم صورة أخرى لدور جزء من المنظومة العراقية في المشهد السوري، صورة تجعل العراق، أو جزءًا منه على الأقل، شريكًا عمليًّا في إسناد تشكيل مسلّح غير حكومي يشتبك مع دولة تعترف بها بغداد.

هذا التناقض لا يبقى داخل دائرة التنظير القانوني، بل يخلق قابلية لإثارة الملف في أكثر من اتجاه: دمشق تستطيع أن تُدرج هذه التحركات في خانة "التدخل في الشأن السوري" إذا اختارت التصعيد السياسي، وأنقرة تراقب كل ما يعزز حضور

شارك المقال

التعليقات

شاركنا رأيك في هذا الخبر

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.